عبد الرحمن بدوي

10

الأخلاق عند كنت

بحيث أنه متى ما وضع ، فينتج عن ذلك بالضرورة وضع شيء آخر ، لأن هذا هو معنى العلّة . وبرهن - على نحو لا يمكن تفنيده - أن من المستحيل تماما على العقل أن يعقل قبليا وبواسطة التصورات ، مثل هذه العلاقة ، لأنها تنطوي على ضرورة ؛ إذ من غير الممكن أن نتصور كيف أن شيئا ما إذا وجد ، وجد شيء آخر بالضرورة ، وكيف يمكن إذن قبليا إدخال تصور مثل هذه العلاقة . واستنتج من هذا أن العقل كان مخدوعا تماما في هذه الفكرة ، متصورا - عن خطأ - أنها من نتاجه ، مع أنها ليست إلّا ولدا نغلا من نتاج الخيال ، هذا الخيال الذي أخصبته التجربة فوضع بعض الامتثالات تحت قانون الترابط ، موهما أن الضرورة الذاتية الناجمة عنه ، أي العادة ، هي ضرورة موضوعية مؤسّسة على المعرفة . واستخلص من هذا أن العقل لا يملك القدرة على تعقل مثل هذه العلاقات ، ولا بصورة عامة ، لأن تصوراته لن تكون حينئذ غير أوهام محضة ؛ وأن كل مفهوماته القبلية المزعومة ليست إلا تجارب مشتركة ، أسيئت صياغتها ، ومعنى هذا أنه لا توجد ، ولا يمكن أن توجد ميتافيزيقا » « 1 » . لكن سوء الطالع المصاحب دائما للميتافيزيقا طوال تاريخها قد جعل الناس لا يفهمون هيوم ، فهاجمه من معاصريه ريد ، وأوزولد Oswald ، وبيتي Beattie ، وأخيرا بريستلي Priestley ؛ مدعين أن هيوم ينكر تصور العلة . لكن هيوم لم يشك أبدا في ضرورة فكرة العلة ؛ كل ما هنالك أنه أراد البحث في أصل هذه الفكرة ، لا في فائدتها غير المنكورة ، حتى إذا ما تحدد هذا الأصل ، أمكن تحديد شروط استخدامها وتطبيقها . وهنا يدلي كنت بتصريحه المشهور عما يدين به لهيوم ، فيقول : « أعترف صراحة بأن تنبيه ديقيد هيوم هو الذي قطع أولا ، وذلك منذ عدة سنوات ، سباتي الدجماتيقي ووجّه أبحاثا في الفلسفة النظرية في اتجاه آخر مختلف تماما .

--> ( 1 ) « مقدمة إلى كل ميتافيزيقا . . . » ، المقدمة .